على هذه الأَرض
قبلَ نَحوِ أَربعةِ آلافِ عام، نَحَتَ مَلِكٌ بابليٌّ على الحجرِ ما سيُصبحُ أَقدمَ مَدوَّنةٍ قانونيّةٍ مَكتوبة. لكنّ الإنجازَ الحقيقيَّ لـ"حمّورابي" لم يَكن في العَدالةِ نَفسِها — العَدالةُ مَوجودةٌ منذُ وُجودِ الإنسان. الإنجازُ كانَ في التَّوثيق.
قَبلَه، كانتِ القَواعدُ شَفهيّة، تَتغيَّرُ بحَسَبِ القاضي، وتَتلاشى في غِيابِ الذاكرة. بعدَه، صارَ النَّصُّ المَنحوتُ مَرجعاً يَعلو فَوقَ الجَميع. هذا الانتقالُ من القَولِ إلى الكِتابة هو ما أَسَّسَ للقانون كَمِهنة.
يَستمرُّ هذا المبدأُ في عَمَلِنا اليَوميّ. القاضي قد يَخطئ، والذاكرةُ تَخون، لكنّ النَّصَّ المَكتوبَ بدقّةٍ — العقدَ، البَيانَ الضَّريبيّ، مَحضَرَ الاجتماع، التَّسجيلَ الرَّسميَّ — يَبقى. نَتَعَلَّمُ من حمّورابي ليس العَدالةَ، بل عادَةَ التَّوثيقِ كأَساسٍ لها.
في بَوّابة دجلة، نَكتبُ كلَّ وَثيقةٍ كأنّها ستُقرَأُ بعدَ عَشر سنوات.